سيرة ذاتية
روايات
مقالات
حوارات
اخبار مريم مشتاوي
جاليري مريم مشتاوي
اصدارات
شعر مريم مشتاوي






جسور الحب

29/04/2019 - 07:46:21 pm
رواية جسور الحب / الفصل الأول مدينة الجسور المعلقة

لفصل الأول من رواية جسور الحب

 

الفصل الأول

مدينة الجسور المعلقة

 

أنا بايا، وها أنا ذا أجمع الآن أمتعتي ونبضاتي التي تبعثرت في مدينة حضنتني منذ الطفولة.

 

كان المطر يتساقط بحنان فوق عاصمة الشرق الجزائري نقطة نقطة تمامًا كما تتساقط أحلامي التي بنيتها فوق صخور المدينة... وكم هو موجع ذاك الحنان حين تترجمه الطبيعــة برقتهــا... لو سقطت الأمطار بشراسة مرة واحدة لكانت أخف حـدة علـى التحمـل... كـانت حبات المطر تغسل البيـوت القديـمة والكهـوف والمساجـد العريقـة وتولي اهتمامًا خاصًا بمسجد الأمير عبد القادر ربما بسبب علّوه، كنت دومًا أعتقد أن الله يكتب له آيات المحبة برذاذ المطر... وكذلك حي النحاسين فالله يحب هؤلاء الذين يعجنون يومهم بالعرق، والذين تتشقق أياديهم فينبعث منها الجمال.

 

كانت الرياح تتأرجح مع الجسور كي تنفخ الحياة في صباح جديد يلتحف مدينة الصخر العتيق.. أجمع أغراضي وأنا أسمع صوت المدينة يعاتبني… يرجوني على التريث.

 

فأنا أؤمن منذ صغري بأن الصخرة القديمة في مدينتي تتكلم تنبض بحنان.. لقد أخبرتني جدتي حين كنت صغيرة بأن تلك الصخرة القديمة تخشى الوحدة لذلك مدت جسورًا وعقدت يديها بصخرة أخرى.. أخبرتني أن هناك صخرتين تشابكت يومًا أصابعهما ببعضها البعض لترقص فوقهما أحلام المارة.. هذه هي مدينتي... مدينة قسنطينة أو قسمطينة.. مدينة الصخرتين الموصولتين بجسور معلقة بحكايات قديمة بخطوات أناس يحملون مشاعل الحرية والفكر والأمل.. مدينة التراث العتيق حين أمشي في زواريبها أدرك ضمنًا أن هناك حيواتأخرى قديمة تخفق تحتها.. مدينة مرت عليها الحضارات وتركت قبلاتها فوق الأبواب والشبابيك.. مازلت أذكر حين دخلت قصر الباي للمرة الأولى... شعرت يومها بأنني أميرة من الزمن العثماني وهذا قصري.. كاد خيالي يورطني بعشق أناس رحلوا وتركوا ذكرياتهم تحيط المكان وتستدرج الحاضر إليها.. منحتني اسمي جدتي رقية.. إنها الأمازيغية الأصيلة التي عرفتني على حضارتها وعلمتني عاداتها وتقاليدها،وأبت أن ترحل قبل أن تترك في داخلي الكثير منها.

 

كانت جدتي تقوم بذبح "ديك رومي" على عتبة البيت اعتقادًا منها أنه يبعد الشرور وينده للخير. ومن بين العادات والتقاليد التي ورثتها عن جدتي أن أقول: صحة وراحة.

 

حين أنتهي من العشاء كتعبير شكر على نعمة الطعام، وعلمتني كيف أطبخ طبق الكسكسي بالدجاح،وأقوم بتوزيع بعض منه على الجيران حتى وإن كانت الكمية التي طهوتها قليلة كتعبير عن المحبة والتضامن معهم وكعمل رحمة يجلب الخير على أصحابه...

 

كيف أنسى وصية جدتي بأن أحتفظ بزيّها القبائلي الذي أهداها إياه جدي بعد الزفاف..كانت تتباهى بالجبة الحريرية المزخرفة بخيوط ذهبية وبرسومات تحتفل بالتراث الأمازيغي الأصيل.. جبة اختلطت فيها ألوان الفرح كلها؛ الأحمر الأرجوانيالملكي والزعفران الثوري والأخضر الشامخ.. وتحيط خصرها بحزام عريض تتوسطه فوطة حمراء تتدلى منها شرائط ملونة، وقد زينت الحزام بليرات ذهب جمعتها عبر الأيام.. كلّما اشترت ليرة تثقل بها حزامها ولا تنسى أن تعرضه على جاراتها مرارًا وتكرارًا حين يأتين لزيارتها.. وكانت الجارة على الرغم من رؤيتها وتمعنها بالحزام مرات سابقة عديدة إلا أنها تبدي نفس الإعجاب من جديد،وتشهق نفس الشهقة، وكأنها تراه للمرة الأولى... كنت أرى جدتي وزائراتها واسترقالسمع إليهن من خلف باب غرفة الجلوس الخشبي المعتق الذي كان يشيخ مع جدتي،ويفقد مع الأيام لونه البني الجميل، وتظهر التشققات في ثناياه..

 

اليوم أترك خلفي المدينة التي كبرت فيها وأحمل ذكرياتي، وكل ما علمتني إياه جدتي وحقائبي التي تتثاقل بفعل الوداع لأبدأ من جديد.. كنت أنظر خلفي فأرى الحب.. نعم الحب... كان واقفًا ينظر نحوي ويرفع لي جسور المدينة كي يوقظ داخلي ذكريات أحاول طمسها لأقوى على الرحيل...كانت نظرات حبيبي تقي الدين مبلولة... كنت أدرك ما كان يحاول قوله صامتًا.. كنت أشعر بنظراته وهي تستدرجني للبقاء.. شعرت في تلك اللحظة بأن حبي له كالغيمة البيضاء التي تتشكل من الدموع... ليتني مشيت ولم ألتفت خلفي.. لو لم أرفـع عينـيّ وأنظـر إليه طويلًا لما كان ليستدرج كل الأحزان المتراكمة في أعماقي... كانت لحظات وجـع لـم أعرف مثلها سابقًا ربما لأنها اللحظات الأكثر صدقًا في علاقتنا.. ربما لأننا نواجه بالوداع واقعنــا المـر.. نواجه فقرنا... نواجه عجزنـا عـن الاستمرار معًا...

 

كان قلبي يشطر وبملء إرادتي، وبت متأكدة من أن هناك شيئًا ما بين الحياة والموت... ما بين الحب واللاحب... ما بين النهاية وفعل النهاية... إنه زمن يشبه كرسي الاعتراف.. كلما يلقى عليه غزير الدموع والخطايا ومراجعة الذات والحنين والفقدان والانكسار. ولكن تبقى محاولة السفر واستعادة الأمل بالحياة... فقد كنت أعرف تمام المعرفة بأنها فرصتي الوحيدة لأعيش حياة كريمة، وأساعد أخواتي الصغيرات اللواتي تركتهن بعهدة جارتي الخالة نوارة على التمسك بالحياة.

 

حين التقيت تقي الدين للمرة الأولى سحرتني رموشه الطويلة التي تظلل سماءين تمنحان ناظريهما جناحي طير وألوان قوس قزح صغير ورقة فراشة بيضاء حائرة وشفافية غيمة تموزية مرت على عجل وأحلام مبعوثة من أفق لا نهاية له..

 

وإن أمعنت النظر فيهما أدركت أنهما آيتا حب منفوختان من فم الرب... كانت زرقة عينيه مكتظة إلى حد أني كنت أتخيل رقرقة دمعه إن تماوجت تماوجت معها مياه البحر كلها وكأنها زرقته وحده.

 

كنت أشعر كلما لمست يده بنسمة بيضاء ندية تغافله وتتسحب منها نحوي..

 

عشقت كبرياءه وذاك الشجن المبلول في صوته. الْيَوْم أودع ذاك الوجه الجميل.. وغدًا حين تبدأ وحدتي في مدينة الضباب ويسقط الفجر من حبيبي على غفلة في كأسي لن أشربه، سأسقي به وردة جارعجوز... وأغسل به وجه الطفل الرضيع الذي شاهدته على شاشة التلفاز وقد سحبهالغريب من تحت الأنقاض.. ويد جدتي المتجعدة بفعل الحرقة لا العمر.. جدتي التي انتشلها الموت مني.. ربما تعود إلى الحياة من جديد لتمسك بيدي..

 

حين يسقط الفجر منه على غفلة في كأسي وهو بعيد بعيد، لن أرفعه عاليًا سأخفضه لأملأ الجزء الفارغ من الكوب بدموعي... فدموعي مثلي تمامًا تحتاج أيضًا لمن يحتويها... تعبت من هدر دموعي في الهباء... بكيت طويلًا ولا أدري أين ذهبت تلك الدموع... ربما علقت بخطى أناس رحلوا أو أنسنت بعض الظلال الصامتة من عبء الحنين...

 

كانت مدينة قسنطينة مهيئة للحب.. مدينة تدعو كل من يسكنها للعشق والهيام... فإن لم يكن لأحد سكانها قصة يخترع واحدة لتحتويه، وكي يشعر بالانتماء لها. وكأنها شيدت جسورها بغية لقاء الأحبة، وعقدت قناطرها للقبلات الخاطفة، ولم تنس أن تمطر لهما في الزواريب الضيقة لحظة الفراق...

 

أنا وتقي الدين كبرنا معًا في حي السوقية كان بيته القديم في الجهة المواجهة لبيتي.. لا أريد أن أصف بيوتنا بالقديمة ربما تكون كلمة عريقة أكثر دلالة على تلك الذاكرة الخضراء التي تحملها هذه البيوت... بيوت من حجارة إن كلمتها فتحت فمها وتكلمت، وإن لمستها ارتعشت فتدفقت منها أيام الطفولة، وراحت تجري خلفي في أزقتها الضيقة... حين كنت صغيرة أخبرتني جدتي رقية أن الحجارة التي تستخدم في بناء البيوت في حي السوقية مستوردة من الجنة. وهي تبكي حين يمرض سكانها... فجدتي رأت ذلك بأم عينها. حكت لي عن مرض جارتها أم مسعود التي توفيت قبل ولادتي. وكانت من أعز صديقاتها. فحين اشتد المرض عليها رأت جدتي حيطان البيت تبكيها... وحين توفيت انفجرت ساقية من الحائط التي كانت تسند رأسها عليه لتنام. لذلك اكتسبت جدتي عادة وهي أن تحمل البخور عند الفجر وتمشي به في البيت تسبيحًا وإجلالًا للجمال الروحاني المتغلغل في حجارته. وكانت جدتي تستحم بماء الورد وقد أجبرت أمي أن تحممني به منذ صغري.

 

فماء الورد في نظرها هو عصارة دموع الملائكة التي تتقاطر فوق وجوههم في لحظات الخشوع الكبرى.... يبكون فتنهمر دموعهم فوق حي السوقية الذي خصه الله وميزه عن بقية الأحياء أيضًا... تلك الدموع كانت تسقي الورود التي تجمعها جدتي كل الصباح. كانت تفرغها فوق سجادتها الحمراء المثقوبة والمرمية في وسط المطبخ... سجادة تراثية مزينة عند الأطراف بشرائط ملونة تشبه حزامها.. كانت تتربع عليها لتختار من الورود الأوراق الطرية وتجمعها في وعاء كبير من الخزف له يد واحدة صغيرة والأخرى قطعت بطريقة لا أذكرها.. وله أيضًا غطاء جميل مزخرف برسوم ورود بيضاء وحمراء.. كانت جدتي تضع الوعاء بكثير من الحب على طاولة خشبية صغيرة في مطبخها ثم تغلي الماء بوعاء آخر فوق النار وبعدها ترمي الماء فوق الوعاء الذي يحتوي أوراق الورد وتضعه هو الآخر ليغلي ويتشرّب نكهة الورد.. وكنت أراها تحرص أن تسد الوعاء بشكل جيد وتنتظره حتى يبرد. وبعدها تصفي الماء في قناني زجاجية صغيرة وكبيرةتخبئها في يوكها أو في تلك التجويفة المحفورة في الحائط والتي كانت بمثابة مخزن جدتي.

 

تعرفت على جمالي من تقي الدين، لأنه كان دائم التغزل بي ويصفني قائلًا: أعشق زرقة عينيك لأني أشعر بأنهما امتداد لعينيّ... تفرع مني لا بد أن يعود إليّ.. في كل مرة أنظر إليهما تطيب لي الأيام وينضج الفرح المنسي في داخلي فهما شهوتي الدائمة للحياة.. قولي لي كيف أقاوم تلك الغمازتينالمشاغبتين وذاك الفم الكرزي المنمنم.. وكيف لي أن أتجاهل خصل الشمس الذهبية الطويلة التي تناغش كتفيك... تلك هي ورطتي في العشق.

 

لا أذكر الكثير من طفولتنا أنا وتقي الدين، ولكني أذكر جيدًا عاطفتي تجاهه وأطواق الورود البيضاء التي كان يضعها في عنقي كلما التقينا. أخبرني أنه كان يسرقها من طاولة أمه قمر التي كانت شديدة القبح. ربما لذلك لجأت إلى الورود تستعين ببعض من جمالها،وتبالغ في التزين بها في المساء حين يحضر زوجها رابح الذي يضاهيها قبحًا إلى البيت لتموه عليه بشاعتها...

 

لست متأكدة لما سمتها أمها بذاك الاسم الذي لا يناسبها مطلقًا. ولكني سمعت جدتي يومًا تتحدث مع أمي زليخة عنها. كانت تقول إن جارتها نوارة زوجة بائع النحاس والحلي التي كانت تسكن في آخر الحي سربت لها سرًا عن قمر.

 

أخبرتها أن أم قمر كانت عمياء وزوجها توفي قبل شهرين من ولادتها.. وحين أنجبتها ضحكت عليها الداية التي اشتهرت بمقالبها الكثيرة في الحي وأوهمتها أن ابنتها الرضيعة شديدة الجمال لها وهج قل نظيره في قسنطينة كاملة وفي وجهها ضوء يشعشع الأماكن وعلى ملامحها مسرة نادرة فسارعت الأم لتسميها قمرًا.. كان من الأصح أن تختار لها اسم فزعة، صدمة، فلجة أو أي شيء من هذا القبيل... مسكينة والدة تقي الدين سبب لها اسمها الملتصق بها عنوة تهكم سكان الحي عليها. ولطالما استغربت كيف يكون لامرأة في هذا القبح ابنًا لو خرج ليلًا ورآه القمر لسقط خجلًا من سمائه.

 

كانـت ذاكـرة الـورود والرائحـة الطيبـة تأتي لأستنشقها من الماضي كنسمة خفيفة ثم تنقطع حبائلها عني فجأة برؤيا سوداوية لا أَجِد لها تفسيرًا. وكان – وما زال - يقلقني رفض جدتي رقية القاطع لهذه العلاقة جملة وتفصيلًا دون مبررات مقنعة. حتى أنها جعلتني أقسم بأن لا أرتبط به.

 

لم تكن جدتي رقية أم والدي امرأة سهلة كانت قوية البنية والسطوة، كلمتها لا ترفض ولا تتكرر ولا تناقش ولا صوت يعلو صوتها،وتزيدها العباءة السوداء التي كانت تلبسها في الأيام العادية حدة وصلابة لا يخفف منهما سوى الوشاح الأبيض التي كانت تسدله فوق وجهها حين تخرج من البيت... تلك العباءة السوداء كانت زيًا موحدًا لكل نساء قسنطينة. التحفت بها النساء ساعة دخول الجيوش الفرنسية إلى مدينة الجسور حدادًا واستنكارًا وحرقةً.. وأصبحت العباءات السوداء جزءًا لا يتجزأ من التراث الأسود.

 

ترملت جدتي وهي ما تزال في عمر الورود. توفي جدي بعد خمس عشرة سنة من زواجهما، وكان عمر جدتي في ذلك الوقت حسب ما روته لي خمسًا وعشرين سنة.

 

كانت طفلة لم تتعدَّ عشر سنوات حين انتقلت إلى بيتها الزوجي. وأنجبت من جدي أحمد ست بنات وولد وحيد هو أبي سالم.

 

وكانت في الرابعة عشرة من عمرها حين أنجبت طفلتها الأولى التي توفيت حين خذلها صدرها وأثقل على أنفاس الصغيرة. لم تكف جدتي يومًا عن ذكر طفلتها الرضيعة التي توفيت خنقًا قبل أن تختار لها اسمًا يناسب رقتها.. وبقيت تذكرها بشكل يومي إلى حد أنني اعتقدت أن خالتي التي ماتت طفلة كبرت معنا وشاركتنا يومياتنا وتفاصيلنا الصغيرةدون أن نراها.

 

تذكرها وتلوم نفسها،وتتحسس صدرها وتبكيبدموع صامتة. وتقول: أحن للسنوات الأولى التي توفيت فيها طفلتي، حينها كان حزني عليها مبررًا وكنت أرى نظرات المحبة من الأهل وتلك النظرات كانت تعزيني، أما الآن بعد مرور سنوات طويلة فقد تبدلت تلك النظرات واكتسبت معنى آخر لا يقل قسوة عن قسوة الموت الذي اغتصب روحي باكرًا.. تأكدت أنني فقدت مع السنوات حق الحزن وكأن حزني أصبح ذنبًا أحمله إلى أن أموت.

 

"ربّت بناتها وابنها من قليلها ولَم تطلب يومًا مساعدة أحد" هكذا ردد أبي عدة مرات على مسمعنا وهو يتباهى وينفخ صدره فخرًا خاصة حين كنّا نجتمع مع باقي أفراد العائلة في الأعياد ونتربع حول المدفأة القديمة".

 

بقيـت جدتـي مـع أبـي بعد أن زوجت بناتها واستقرت كل ابنة في بيت لا يبعد كثيرًا عن بيت العائلة.

 

وهي من اختارت لابنها الوحيد أمي زليخة التي كانت أجمل من سماء قسنطينة بوجهها الملائكي وقلبها الأبيض وإحساسها المرهف الذي ينافس برقته غيمة تائهة.

 

واشترط أبي على عائلة أمي أن يعيش وزوجته مع جدتي رقية في نفس البيت الذي كبر فيه.

 

كانت أمي زليخة تهاب جدتي وتحترمها وتعمل دومًا على إرضائها، ربما خوفًا من غضب أبي سالم الذي كان يحب أمه حبًا يفوق حب الأولاد لأمهاتهم، في العادة، أكثر من ذلك، كان متأثرًا بها، يقدّسها ويعبد خطواتها،ويحرص على أن يزور مخدعها كل صباح، يقبل رأسها ويديها، ويحمل لها بنفسه القهوة إلى السرير على صينية مطرزة بالذهب ومزينة بحبوب من الروبي كان قد اشتراها من تاجر مر بقسنطينة حاملًا على عربته بعض الأشغال اليدويةالثمينة. قال أبي إنه دفع فيها كثيرًا من المال، وأحس بفرح غامر حين تلقتها أمه بامتنان كبير.

 

وقد كان أبي يعمل في محل صغير لبيع الألبسةالتقليدية، ورثه عن أبيه، وبذل مجهودًا كبيرًا في سبيل تطويره.. لم يكن أبي يعامل أمي معاملة حسنة على عكس معاملته لأمه، وكنت أشعر كأنه كان يحقد عليها لسبب أجهله.

 

أما جدتي فكانت تلقب أمي بحمل البيت لوداعتها ولما تستحمله من غضب والدي الذي يسقط عليها دون سابق إنذار كالرعد المفاجئ.. تزمهر عيناه، ويتوعد ويقصف جبهتها لأتفه الأسباب.

 

أنجبت له أمي أربع بنات أنا وأخواتي الثلاثة ندى وفاطمة ومريم. وكان هذا دافعًا آخر ليزيد مـن حقـد والدي عليها. كان رجال الحي ينادونه "أبو أحمد".. ولَم يأتِ أحمد على الرغم من كل الوصفات التي أعدتها جدتي رقية وأجبرت أمي على تنفيذها حرفيًا، فقد رأيت جدتي يومًا تذبح دجاجة في الصباح تصفي دمها في كوب وتطلب من أمي أن تشربه بلعة واحدة.. ثم تأمرها أن تستحمّ وتفرك جسدها بكومة الريش كي يأتي الولد أو الديك الموعود الذي تحلم به العائلة.

 

وكانت أمي تنساق لإرادة جدتي كالنعجة، ولا تفتح فمها بحرف واحد، ولا أعرف إن كانت أمي أيضًا تصدق تخاريف جدتي.

 

بيتنا في حي السويقة صغير جدًا، مقسم إلى غرفتين ومطبخ وحمام، وكانت الغرفة الأولى لأبي وأمي ولَم يكن فيها سوى سرير واحد عليه غطاء أبيض طرزته أمي برسومات نجوم صغيرة وكبيرة من الستان الأزرق يلائم لون الستائر الهادل حول شباك صغير يبدو وكأنه شق الحائط بصعوبة ليدخل قليلًا من النور إلى قلب أمي الذي لوّعه أبي بغطرسته غير المعهودة.

 

وقد كانت إحدى هواياتها الخياطة والتطريز، وأخبرتني أنها ورثت هذه الموهبة عن المرحومة أمها جدتي نهال.

 

كانت أمي تجلس ساعات طويلة تتفنن بتطريز الأغطية والستائر والملابس بشرائط الساتان والخرز الملون،وتختار غالبًا ألوانًا تناسب شخصيتها الهادئة مثل الأبيض الملائكيّ والأزرق السماوي ولون الزهرالطفوليّ. تجلس على الأرض ساعات تلف الخيط حول الإبـرة بعنايـة وحـدة وإصـرار وكأنها تلف ذكرياتها قبل أن تعقد الحبل وتعدمها مرة واحدة ثم تغرز الإبرة في القماش بطريقة توحي بأنها تعيد خياطة حياتها من جديد.. وحين تبدأ بتزيين القماش تبتسم عيناها ويدخل فيهما ضوء أبيض شارد هكذا تثبت أمي أحلامها الجميلة مكان الذكريات التعيسة، وتفتح في القماش المحيط بها نهارات وليالي مضيئة بالأقمار والشموس والقناديل الساهرةوالشموع الشامخة. هكذا تخرج من عينها فراشات وعصافير وسحليـات ملونـة تنسجها بحب فتعيد للعمـر عمـره الضائـع وللألـوان ألوانهـا وللأضـواء أضواءها.

 

وكان في الغرفة صندوق كبير يمتد من الحائط إلى الحائـط المواجـه تضع أمي فيه ثيابها وثياب أبي التي لا تتغير مع مرور السنوات. أما أنا وجدتي وأخواتي الثلاثة فكنـا ننام في الغرفة الأخرى التي كانت تخلو من الأَسِرَّة،ولكن كان فيها صندوق توأم،لذاك الذي يحتل جزءًا لا بأس به من غرفة والــديّ، وكنـا نخفـي فيــه أيضـًا ثيابنـا وأشيـاءنا الخاصة.

 

كانت غرفتنا تستحيل في المساء إلى منامة فنطرح فيها الفرشات على الأرض ونعود لنخفيها صباحًا في العلية كي تعود غرفة جلوس مرتبة للضيوف. فتضع أمي مكان الفرشات وبشكل دائري مخدات أرضية بلون أحمر ناري وترمي في الوسط سجادة كبيرة مزخرفة تتناغم فيها الخيوط الملونة وأشكال صغيرة غير مفهومة على الأقل بالنسبة لي ربما لأن مرور الزمن وأقدامنا ساهمت في بهتانها وضياع الكثير من تفاصيلها.

 

وكيف أنسى ذلك السلّم الخشبي الذي يربط بيتنا بالطريق، وتَلبسه ورود ونباتات كثيرة تفوح رائحتها فتنعش الحي، ثم تتسلل إلى أرجاء بيتنا والبيوت المجاورة تلقي تحيتها معلنة بداية يوم جديد. وكانت جدتي تحرص أن لا تعطش ورودها، وإن شعرت بجفافها تسرع إلى الصندوق الخشبي وتسحب منه مغرفة كبيرة أو ما تسميه "تغانجا"، ولا أدري من أي سوق اشترتها، ولكنها تزيّنها بنفسها بالحلي وتلفها بقماش جميل وكأنها عروس، ثم تحملها وتخرج مسرعة إلى الطريق وتنضم إليها جاراتها بمغارفهـن ويمشيـن فـي الحـي رافعـات عرائسهن وهن يرددن أغاني الاستسقاء كي تهطل الأمطار، وتعيد للورود أرواحها الغائبة.

 

أخبرتني جدتي أن الصخرة الكبيرة التي بُني فوقها حي السويقة رفعته عمدًا كي يطل على جسرسيدي راشد، وعلى الوادي الكبير الغامق والغامض الذي يرقد تحته.

 

قالت إن الجسر يمدّ الحي بنسائم الحب وبأحلام معلقـة ومـن الـوادي تأتـي الحكايات والأسرار التي تعطي اللأيام نكهتها.

 

كانت جدتي ترى فيهما امتدادًا جغرافيًا وحقًا من حقوق الحي... وكأنهما ملكية خاصة للسويقة دون سواها من أحياء قسنطينة. وقالت لي أيضًا أن المحلات التجارية التي تتغلغل في الحي تثرثر ليلًا مع الوادي وتتناقل الأحاديث فقط على ضوء القمر، وبأن النسائم الليلية هي أنفاس متبادلة بين الطرفين. تعجبني أحاديث جدتي فهي ترى أن كل الأشياء حولها تنبض، وقد أثرّت فيّ لدرجة أني بتّ أقف في محل أبي الذي يتصدر الحي، وأراقب الجبة والقفطان والملاية والقشابية ويهيَّأ لي أنه سيولد منها أشخاص... وحين كنت أمشي ناحية محل المواد الغذائية الذي يقع في وسط الحي أتمعن في حبوب القمح والشعير والفول والعدس التي تملأ الأكياس، وكان يخيل لي أنها ستتشقق بين لحظة وأخرى وتخرج منها ألسنة تكشف أسرار الناس الذين مروا من أمامها... وكانت الفكرة تخيفني فأتحرك بسرعة، وحدث مرة أني اصطدمت بالإسكافي؛ العم صابر الذي يتربع عادة فوق الأرض على كرتونة صغيرة،ورأيت الأحذية حوله تنظر نحوي وتهمّ بالركض خلف الأرجل التي رحلت وتركتها وحيدة، وكأنهـا اكتسبت مـن لمسات العم صابر مشاعر وأحاسيس وتعلمت الشوق.

 

السيدة كليونا وايت مولاتي وأمي الثانية، وزوجة سفير إنجلترا سيمون وايت الذي اشترى أرضًا في قسنطينة وبنى عليها فيلا لم تَر سيرتا جمالًا حديثًا يشبه جمالها.

 

بعد تخرجي من الثانوية العامة عملت في منزلها وكان عمري ثماني عشرة سنة. أما هي فكانت في الخامسة والأربعين من عمرها ولَم تنجب الأطفال فعاملتني بطيبة لا مثيل لها.

 

كليونا وايت امرأة راقية هادئة وناعمة وجميلة.. كأن الله خلقها ليعيد للتراث بهجته. عيناها تحمل ألوان الاحتواء كلها... والضوء يكسبهما بهجة القناديلالعتيقة المضيئة على طرقات ضيقة قديمة تصارع الشتاء... تتمرجح عيناها بين العسلي والبني الفاتح والبني الداكن.. أما شعرها الكستنائي فهو دفء مبعثر،وذو حمرة لطيفة تصيب ناظرها بحنان مفاجئ، تتموّج فيه بعض الخصل الشقراء فتزيد من أنوثتها أنوثة.

 

كانت طويلة ولكن طولها يبدو مهزومًا وكتفاها يحملان ثقلًا غير مرئي،ولكنه حاضر في كل لفتة وحركة تقوم بها. قالت إنها درست اللغة العربية الفصحى في مركز اللغات التابع لجامعة سواس بلندن لعدة سنوات قبل مجيئها إلى قسنطينة برفقة زوجها شون وايت، وحين وصلت مدينة الجسور المعلّقة درست أيضًا العامية الجزائرية.

 

كيف أنسى يوم لقائنا الأول، وصلت مع جدتي رقية إلى مكان غاطس باللون البنفسجي؛ شجر وأوراقوورود حتى خيّل لي أن النسائم التي تتراقص حول الفيلا بنفسجية أيضًا، وحين تلفح الزوار تترك بعضًا من لونها على وجناتهم كفعل ترحيب. أيعقل أن يكون قوس قزح المتصدر سماء المكان قد تنازل عن إحدى ألوانه وأسقطها بإغداق على فيلا السيدة وايت كآية من آيات الجمال المقدس؟

 

اقتربنا من بوابة الفيلا الكبيرة التي ترتفع بشكل قناطر ملكية محاطة من الجانبين بسور مغطى بالعشب الأخضر، وورود بنفسجية صغيرة تتغلغل فيها حبوب بيضاء بارزة تشبه قلب صاحبة الدار.

 

فُتحت البوابة لمجرد اقترابنا دون مجهود. أيعقل أيضًا أن تكون أبواب الأشياء وأحضان الساكنين هنا تفتح تلقائيًا وبسرعة؟

 

عبرنا البوابة ودخلنا إلى حديقة داخلية شاسعةيشقّها الممرّ الذي مشينا عليه ليوصلنا إلى باب الفيلا الرئيسي، ممر من الحجارة المنقوشة برسوم سريالية غير مفهومة وتحيط بها على الناحيتين ساقيتان من المياه العذبة ترقد داخلهما حجارات بيضاء صغيرة، وتنتشر في الحديقة من جهة اليمينوالشمال شجيرات ترفعها العصافير المتكاثرة فوقهابمناقيرها.

 

أما البيت من الداخل فهو متحف من الصور الكبيرة،والتحف التي تبدو باهظة الثمن، وأكثر ما لفتني فيه ذاك الدرج الفخم الذي يربط بثقة الطابق السفلي الجميل بطابق علوي لا يقل بهجة وجمالًا وترتيبًا من صدر المكان.

 

جـمـال الفيـلا وطيبـة السيدة كليونـا جعـلاني أهمس في أذن جدتي: أرجوك يا جدتي العزيزة أن تقنعيها بي، فأنا مستعدّة أن أعمل ساعات طويلة دون تزمّر أو تأفّف.

 

وبالفعل تمكنت جدتي بحنكتها أن تكسبني العمل بهذا المكان الهابط من حضن الملكوت على غفلة من الملائكة، المكان الذي عملت فيه خادمات قبلي كما عرفت، لكنّهن لم يستطعن التأقلم، وذهبن ليتركن لي هذه الفرصة العظيمة.

 

عملت في تلك الفيلا لعدة سنوات، ولَم أر السيد وايت إلا مرات معدودة.. فهو كان دائم السفر… دائم الغياب… وكنت أرى مولاتي وحيدة...أحيانًا تبدو حزينة، وأحيانًا أخرى تهبط عليها سعادةكبيرة فجأة، لكن في معظم الأحيان كانت بلا أي تعابير يمكن قراءتها. لا أعرف كيف مرت الأيام لتزيـد مـن إعجابي بسيدة الفيلا. كانت تبهرني بأخلاقها وأسلوبهافي التعامل مع الآخرين ورقيها وبساطتها وصوتها الهادئ الذي ينبعث من فمها بخشوع تمامًا مثل حنين دفين ارتفع من جوف الناي ليفتح في السماء طاقة تتساقط منها النجوم الذهبية فتضيء عتمة الفوانيس العتيقة.

 

كانت مثلي تمامًا تحب القراءة كثيرًا، وتشجعنيعليها كما كافأتني عدة مرات ببعض النقود لأشتري الكتب وأقرأها في خلوتي المسائية.

 

مرت الأيام وأصبح يطاردني حلم جديد... بتّأحلم بزيارة مدينة الضباب تلك المدينة التي جاءت منها أمي الثانية ومولاتي الرقيقة... تعرفت على لندن من عينيها، ومن ذاك الشغف الكبير الذي كانت تطعم به كلماتها.. أخبرتني عن جسر لندن الذي انهار وبني من جديد.. عن شاعر بلدها الذي يدعى إليوت.. قالت إن التاريخ لم يعرف ولن يعرفشاعرًا مثله...

 

وراحت تصف لي الشوارع الضيقة و أضواءها والبيوت التاريخية الشامخة القديمة والمسارح والمتاحف والحدائق العامة وعين لندن التي ارتفعت لتسهر على المدينة وتدمع حين يخطئ سكانها.. أخبرتني عن قصر بكنغهام وعن سكانه وقصص العشق الملكية وبعض الفضائح التي كان يحلو لي أن أسمعها.. ووصفت لي السيدة توسو، وذكرت كل الشخصيات التي خلدها ذاك المكان.. وعرفتني من خلال الصور على الموضة المحتجزة كلها خلف زجاج واجهات هارودز… أذكر الآن كيف تلألأت عيناها بالدموع وهي تقول: إنه الحنين يا ابنتي روائحه الآن تشدني إلى نهر التيمز، هو الوحيد الذي شهد هزيمتي الكبرى...كنت أقف أمامه أشهق بالبكاء وكانت دموعي كلها لا تكفي لمراكب النهر المارة من هناك.. كنت أرى كل المراكب صامتة.. ولا شيء يتحرك في المياه سوى وجه طفل حلمت به ولَم يأتِ.... والآن منحتني قسنطينة ما عجزت لندن على تقديمه... هنا سمعت السماء دعائي وكانت صلواتي أقرب إلى الله... وهنا أنجبتك لي الحياة... أتمسك بك كأنك الخيط الوحيد الذي يربطني بالحياة.

 

كنت دومًا أتساءل لم هذه السيدة الإنجليزية بهذا اللطف على الرغم من أن معظم من رأيتهم من الغرباء الأوروبيين كانوا خشنين في معاملتهم مع أبناء قسنطينة؟

 

وكنت أرى بعض المبالغة في كلامها ولكني أحببت ذاك الحب الذي يتدفق من تلك السيدة الإنجليزية المختلفة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

 

كنت أمضي معظم يومي في الفيلا، وأذهب إلى بيتي في حي السوقية في المساء فقط لأتعشى مع أسرتي وأغرق في نوم عميق.. لَم يكن هناك شيء يعكّر صفو الأيام سوى رفض جدتي المطلق لحبيبي تقي الدين الذي لم يكن يعيبه شيء في نظـري سـوى وجـه أمـه. كنـت أؤمن بأن الربّ الذي خلق فأبدع وأغدق بسكب الحب والجمال لن يحرمني من حبيب يمنحني كنفًا دافئًا. أهناك غير حبي لتقي الدين ما يمنح المطر رائحته والزهر نداه والنسيم برودته؟ لا شيء، لا شيء في الوجود يعادل لمسة يده الدافئة التي أعرف تفاصيلها خطوطها نبضها منذ كنت طفلة صغيرة. كان يأتي ويحط خلف سور الفيلا كطائر حب جميل. هكذا كنت أراه أو ربما هكذا كانت ترسمه لي تلك الطبيعة المرحة والطيبة التي كان يتميز بها.. وكانت ألوان قمصانه الخضراء والزرقاء والصفراء تلبسني فرحة العيد فأستحيل مثلها عصفورة تتباهى بجناحيها اللذين يرتفعان بعيدًا نحو أفق مزهوٍ بالأحلام.

 

كيف أنسى ذاك اليوم الذي رأتنا فيه مولاتي رغم أنها نادرًا ما كانت تقف على شرفتها أو تطلّ إلى الخارج. حين سألتني عنه لم أنكر ولَم أستطع الكذب. أخبرتها بأني أحبه منذ عرفت الحب وبأننا كبرنا معًا في نفس الحي،وأخبرتها عن أطواق الوردوعن مطاردتنا الفراشات الملونة في فصل الربيع، وعن عائلة النمل التي جمعنا أفرادها من الحقل في قنينة زجاجية نجلس أمامها ساعات نتأمل تحركاتها ونغزل حولها القصص. وأخبرتها عن جدتي رقية وعن رفضها لتقي الدين.

 

واعترفت لها أننا أبقينا علاقتنا سرًا لحينٍ نجد فيه الحل المناسب. ابتسمت مولاتي ووعدتني بأنها ستساعدني وتقنع جدتي رقية شرط أن أنتظر سنتين حتى يصبح عمري عشرين سنة..استغربت طلبها ولم أستطع إخفاء علامات الاستفهام الكثيرة التي كانت تتزاحم في نظراتي فقالت لي:

 

- ​بايا صغيرتي الزواج المبكر ظلم لك.. انتظري قليلًا حتى تنضجي أكثر، وتنضج تجربة الحب في داخلك حينها يكون قرارك مسنودًا إلى العقل وليس فقط مجروفًا بالعاطفة.

 

وقالت لي:

 

- إن المسافة بين العشاق ضرورية بين حين وآخر؛ لأن مرايا البعد وحدها تكشف لنا الحقائق، كما طلبت مني أن تتعرف على تقي الدين كي تسمح لي برؤيته لمدة نصف ساعة، مرتين كل أسبوع في الحديقة الداخلية للفيلا.

 

ضربت موعدًا لتقي الدين في اليوم التالي فجاء قبل الموعد بساعة يحمل باقة ورود حمراء كان قد أخبرني بأنه سيشتريها من محل يقع على أطراف قسنطينة يعرف بذوق عال في لفّ الباقات وتزينها. دخل تقي الدين من بوابة الفيلا فقابلته ومشينا معًا،ولكنني لم أر منه أي انبهار بالحديقة الداخلية وكأن التوتر طلا عينيه بغشاء داكن. كان يرتعش من رأسه حتى أخمص قدميه.. كانت مولاتي تنتظره عند بوابة الفيلا الرئيسة، وقد بدت كأميرة خرجت لتوها من الأسطورة. رفعت شعرها بدبابيس فضية صغيرة، وارتدت فستانًا أزرق قطنيًا طويلًا له حزام بني يلفّالخصر فيحدد جمال أطرافها.

 

مدت مولاتي يدها بلطف لتسلم عليه ودعته للدخول،فشعرت وكأن أصابعها هي أصابعي المرتجفة من فرط الشوق، وكأن الحنان الذي سيخرج منها هو حناني أنا وحدي.. كنت أزاحمها، في غفلة عنها، على تلك اللحظة المكثفة المشحونة بعاطفة غريبة تهتز لها روحي وتهتز معها كل أوراق الأشجار التي تساقطـت فـي غيـر مـوعدهـا فـوق عشب شديد الخضرة، وكأنها مثلي تنتظر هبوب نسمات عاشقة تعيدها إلى حضن الغصن الذي تنتمي له.

 

كدت أصرخ بتقي الدين: أستعد يدك بسرعة فـلا قـدرة لـي على احتواء لحظة الجنون هذه، واختلاجات الطبيعة وهيجان مهجتي وثورة قلبي الذي أتعبه هواك.

 

طلبت مني مولاتي أن أتركها برفقة تقي الدين،فصعدت إلى الطابق العلوي وجلست في الشرفة الكبيرة. كنت أنظر إلى السماء أتأملها وأرى أن بيني وبين أحلامي غيمة واحدة مرهفة.. كانت تنظر نحوي وكأنها تود أن تفتح فمها وتخبرني بكل ما يجري في الطابق السفلي بين تقي الدين ومولاتي..

 

بعد حوالي نصف ساعة سمعت مولاتي تنادينيوطلبت مني أن أرافق تقي الدين إلى البوابة الخارجية.

 

كان صامتًا حزينًا مما جعلني أعتقد بأن السيدةكليونا طلبت منه الابتعاد عني أو خرج مطرودًا أو تشاجرا لأمر لم يعجبها... ولكن تحليلاتي كلها جاءت مخطئة تمامًا ... ولَم تمر لحظات حتى بدأ بالإشادة بمولاتي وإطراء لطفها، وقال لي إنها وعدته بأن تجمع بيننا شرط أن يهتم بمستقبله ويجد وظيفة ثابتة، وينتظر السنتين اللتين حدثتني أنا أيضًا عنهما بهدف النضوج،وأشياء لم يفهم هو الآخر أبعادها ولكنه وافق عليها لأنها المخرج الوحيد لنا..

 

حين اقتربنا من البوابة قبلني فوق جبيني فنظرت إليه بحنان وسألته:

 

- ​إن كــانت قــد أحسنت استقباله ووعدتهبمساعدتنا كما ذكرت إذاً لمَ كل هذا التجهّم، ما المشكلة؟ تكلم من فضلك سكوتك يخيفني.

 

- حبيبتي لا تقلقي لا شيء أقسم أنها كانت طيبة متفهمة ومتعاونة جدًا... أظن أني حزين فقط لأننا سننتظر سنتين كاملتين.

 

لم أقتنع كثيرًا بما قاله،ولكني تغاضيت عن الموضوع وتظاهرت بتصديقه. كنت أحضر يوميًا للسيدة كليونا فنجان القهوة العربية التي أدمنت تناولها منذ مجيئها قسنطينة. وكنت تعلمت من أبي كيفية تزيين الصينية بالورود قبل تقديمها لها.. كان يقول لي دائمًا إن رائحة الورود الممزوجة برائحة القهوة تغري الميت بالعودة إلى الحياة...

 

وكان يضيف قائلًا: اللذة تكتمل بإشباع العين بالزينة والتفنن بها حد الإبهار، والفم بطعم القهوة اللذيذة المشبعة بماء الورد وبرشة خفيفة من الهيل، والأنف بالرائحة الزكيّـة التي تثير الحياة النائمة، والأذن بالكلمة الجميلة المرافقة لتقديم الصينيّـة، واللمس باختيار فنجان أنيق يعكس شخصية من يقدمه... لذلك كنت أبذل مجهودًا إضافيًا فأصحو باكرًا جدًا، أركض نحو الحديقة أقطف أجمل الورودوأعود إلى المطبخ؟ أضع فنجان القهوة على صحنه الصغير وأرصف حوله الورود واحدة حمراء والأخرى بيضاء هكذا حتى تكتمل الدائرة.. ثم أضع في صحن آخر بعض الياسمين... وأنثر أوراق الورود كي أغطي الفراغ على الصينية... أبخرها وآخذها إلى مولاتي بسرعة كي تتصاعد أنفاس القهوة في أنحاء غرفتها علّها تنعش الفرح الغائب فيها.

 

وفِي كل مرة كنت أحاول أن أبتكر طريقة تزيين جديدة.. تعلقت مولاتي بطريقة تقديمي للقهوة وبمذاقها. ولكن على الرغم من طيبة مولاتي ومحبتها الكبيرة لي كانت تفاجئني أحيانًا بتصرفات لا تشبه رقّتها.. أذكر يومًا قولها وأنا أضع صينية القهوة أمامها:

 

"ابتعدي بسرعة رائحة فمك مؤذية. كيف لفتاة جميلة ألّا تغسل فمها في الصباح... اذهبي وافركي أسنانك بسرعة وإن شممت هذه الرائحة مرة ثانية أطردك من الفيلا".

 

أذكر كم بكيت يومها ولكنها في اليوم نفسه وبعد عدة ساعات استدعتني إلى غرفتها وأهدتني خاتـمـًا قالـت إنـه عزيـز عليهـا... هكذا ومن دون سبب..

 

وفِي مناسبة أخرى دخلت المطبخ وكنت جالسة آكل قطعة حلوى.

 

نظرت لي بحدة وقالت: "الفتيات المهذبات يقفلن أفواههن حين يأكلن ولا يصدرن الأصوات".

 

احمر وجهي يومها وشعرت ببرودة تتصاعد من أسفـل رجليّ... وكدت أترك العمل لولا أنها أمسكتني من يدي وقالت: تعالي معي نقطف باقة ورود نضعهـا على الطاولة الكبيرة... وأذكـر أيضـًا ذلك اليوم حين كنت أنظّـف اللوحات من الغبار،ومرّت من جانبي على عجل ثم عادت بخطوات سريعة وقالت: "رائحة عرقك تقتل.. اتركي اللوحات واستحمي..قبل أن ننظف الأشياء من حولنا من الضروري أن نهتم بنظافتنا الشخصية.. اذهبي إلى غرفتي بعد الحمام وتعطري وغدًا سأشتري لك عطرًا يناسب سنك وشخصيتك".

 

تركت اللوحات وأسرعت إلى حمام الضيوف في الغرفة المجاورة لغرفة السيدةكليونا.. وحين أنهيت حمامي وخرجت إلى الغرفة وجدتها تقف أمامي وفِي يدها فستان أبيض جميل عليه رسوم فراشات ملونة كبيرة وقالت:

 

"حبيبتي هذا الفستان لك"، ثم اقتربت مني وقبلتني على جبيني وتركت الغرفة...

 

هذه الرقة الممزوجة ببعض الكبرياء الإنجليزي المتعارف عليه والوقاحة المؤذية في التعبير والمزاج اللندني الغائم النابع ربما من ضباب المدينة،والمحبة اللامتناهية التي لا تفسير لها سوى رغبة هذه السيدة الإنجليزية بتحقيق أمومة قد وجدتها بفتاة ساذجة مثلي كلها كانت تقلقني أحيانًا، وتشعرنيأحيانًا أخرى بالأمان.

 

هذه الخلطة العجيبة هي مولاتي السيدة كليونا.. كنت دائمًا أتساءل لم أحبّتني أنا؟ لم اختارتني أنا دون بنات قسنطينة لتفيض عليّ بعطائها وحنيّتها وكرمها الذي لم أر له مثيل؟ لم اختارت عاملة في منزلها، ولَم تتبنّ فتاة من ميتم وتعطيها اسمها ودفأَها وأرستقراطيتها وأناقتها وتعلمها أصول التصرف منذ الصغر...؟؟ كانت هذه الأسئلة تحيّرني كثيرًا إلى أن جاء يوم وقلت لها:

 

تناديني بابنتي لمَ اخترتني أنا.. لمَ؟

 

فردت قائلة: "لا نختار من نحب... أحبك ويكفي... لا يفسر الحب إلا بالحب نفسه... ولكن اعلمي أن فيض الكرم هذا لم يولد معي إنما ستعرفين حقيقته فيمابعد".

 

مرّت السنة الأولى كالحلم،وكانت الأيام تمضي فيها كسرب حمام أبيض لا أهمية لنهاية مساره في الأفق طالما أنّ السماء ستبقى زرقاء مبتسمة وفيها سعة للأحلام، وطالما أن الغيوم الهائمة ستبقى محطة استراحة آمنة حين يثقل التعب أجنحتها المغامرة الصغيرة... لم أكن أعمل فقط في تلك الفيلا الشاسعة بل تعلمت الكثير من السيدة كليونا التي أصبحت مَثَلِـي الأعلى في الحياة.. كانت تعجبني في كل تفاصيلها. وكم تمنيت لو استطعت أن أعطيها شعري الأشقر وتمنحني شعرها الكستنائي الذي يلوح بالمحبة من بعيد، ويبعث النور في داخلي... حتى أني كنت أراه مقدسًا كالشِّعر الذي تردده جدتي بغية أن يهبط المطر فوق المدينة..

 

وحين عبرت لها عن إعجابي بشعرها لمحت استياءً جليًّا في عينيها.. فقلت في سري ربما النساء الإنجليزيات لا يحببن المديح. فهي على الرغم من محبتها لي كانت جامدة في تحركاتها بعض الشيء،وكأنها تتماسك خوفًا من عاصفة شتوية قادمة لتقتلعجذورها.

 

دخلنا في السنة الثانية وكان حبي لتقي الدين يزداد إشراقًا في وجهي كسنابل القمح التي تتكاثر في البيادر فتمنح التربة ضياءها.. كنت أتنقّل في الفيلا وأضج بحبه في كل ركن من أركانها.. وكانت الأشياء المحيطة بي تتفاعل مع مشاعري المتأججة.. فالرجل العجوز البائس الذي يسند عمره على عكاز في صورة قديمة تتصدر الحائط الكبير في الصالون. رأيته يرمي بنفسه وبالعكاز خارج الصورة فيقع أمامي على الأرض وهو يقهقه من السعادة، ويتطايرسعاله في أرجاء الغرفة لشدة الضحك...

 

أما الكرسي الهزاز المركون في غرفة الجلوس فلم يعد مهزومًا ينتظر من يجلس عليه ليتأرجح.. أصبح بمجرد مروري من جنبه يصعد ويهبط كأرجوحة في حديقة عامة، ولولا السقف لطار وحلّق بعيدًا... والورود التي كانت تقف يتيمة في أوانيها خلعت ثوب حدادها وبدأت تغازل بعضها البعض، وتنشرعبقها وألوانها في فضاء المكان... كنت أذكر تقي الدين باستمرار أمام السيدةكليونا ربما لأني خفت أن تنسى وعدها لي... ولكنها أكدت أنها ستتكلم مع جدتي كما وعدتني في بداية شهر أبريل.

 

في يوم نادتني إلى غرفتها وكانت تبدو شاحبة وقالت لي بصوت خافت جدًا:

 

- ​بعد زواجك بتقي الدين سأبيع الفيلا وأنتقل مع اللورد سيمون إلى الإمارات..

 

- ​مولاتي، لا أريد أن أغضبك ولكنك أخبرتني مرارًا عن خياناته المستمرة لك.. إذن لم تسافرين معه؟ هو لم يكن يحضر إلا نادرًا إلى قسنطينة وستكونين وحيدة في بلد جديد... دعيه يرحل وابقي معي في سيرتا.. أنت أمي الثانية ولن أخيب أملك،وإن بقيت هنا سأعتني بك جيدًا..

 

عمّ الصمت المكان قليلًا مما دفعني لأفكر بأني ربما تماديت بالتدخل في حيـاتها... والأجانب -حسب ما هو شائع في المدينة-يحرصون كل الحـرص علـى خصوصياتهم.. هي أخبرتني سرها في لحظة حزن عميقة فلم يكن ضروريًا أن أفتح جرحها وأواجهها بحقيقة تعرفها جيدًا وتحاول تناسيها.

 

ولكنها أمسكت يدي بحنوّلم أتوقعه وقالت:

 

- ​أعـرف أنـه يخوننـي وقـررت منـذ مدة أن أتغاضى عن الأمر،فالحيـاة قصيـرة ولا تحتمل بدايـات جديـدة وأنـا فـي سباق شرس معها..

 

لم أفهم قصدها ولا طريقة تفكيرها الغريبة... كيف لامرأة جميلة ومثقفة وثريّـة أن تبقى مع رجل خائن.. ولِـمَ كل هذه السلبية؟ ولكني لم أعلق لأني خفت أن تستاء مني...

 

لم تمر لحظات قليلة حتى سمعنا طرقًا شديدًا على باب الغرفة، وإذ بعبلة سرسوس العاملة الأخرى في فيلا السيدة كليونا. كانت امرأة خمسينية حادة الحواجب ذات نظرات قاسية... تنظر بحدة وكأنها تطلق الرصاص من عينيها؛ لذا كنت أحاول دائمًا أن أتفادى الاصطدام معها. مسكينة تبدو وكأنها ناقمة على الحياة ومن فيها.. تتنقل في الفيلا ورأسها مرفوعةبطريقة توحي بأنها صاحبة المكان.. ولكنها كانت نشيطة تعمل كالنحلة دون ملل أو كلل.. وتولي العمل كل وقتها واهتمامها.. كانت تنام في غرفة متواضعة في الحديقة الخلفية للفيلا.. وسمعت من الحارس أنها أرملة ولها ابن وحيد توفّي منذ عدة سنوات في ليلة زفافه بطعنة سكين من زوجته التي يقال أنها كانت مسكونة بأرواح شريرة تهتاج في الظلمة وترقصرقصًا خليعًا ثم تختم الرقصة بجريمة شنعاء غير متوقعة.

 

دخلت عبلة الغرفة كالثور الهائج وهي تردد:

 

-  مصيبة مصيبة فأجابتها مولاتي بهدوء:

 

- اخفضي صوتك يا عبلة واخبرينا ما بك.. خذي نفسًا وأحكي لنا على مهل..

 

ارتبكـت عبلـة وتلعثمـت قليـلًا ثم تأتأت من حدة انفعالها قائلة:

 

- خويا سالم واختي زليخة... ثم سكتت...

 

صرخت دون أن أشعر:

 

- أتقصدين أمي وأبي؟؟؟ من تقصدين يا عبلة؟؟ ما بهما؟؟؟ تكلّمي... تكلّمي أرجوك...

 

- ​أنت مؤمنة يا بايا.. تحلّي بالصبر لقد تعرضوالحادث مروع فوق جسـر سيـدي راشد.. {ﭳ  ﭴ ﭵﭶﭷ}.. وهناك أهالي من حي السويقة بانتظارك عند بوابة الفيلا...

 

شعرت بدوار ولا أتذكر شيئًا بعدها سوى أشباح بيضاء من ممرضات ظهرن لي كالدمى المتحركة التي تتدلّى من السقف بحبال سوداء.. هكذا كن يتأرجحن أمامي داخل المستشفىالجامعي القريب من جسر سيـدي مسيـد، نُقلت مباشـرة بعـد سماعي الخبر،وبقيت في حالة تشبه حالة الغيبوبة لمدة شهر.. هذا ما علمت به لاحقًا من جدتي رقية التي لم تبتعد عني للحظة واحدة وقد تركت أخواتي ندى وفاطمة ومريم في دار جارتنا نوارة حتى يتسنّى لها الاعتناء بي...

 

أذكر أني كنت أنظر ولا أرى سوى خيالات الدمى البيضاء.. فقد استحال رأسي إلى جرس كبير يشبه جرس الكنيسة، وطالت أذناي لتصبحا الحبلين اللذينيتعلقان به... وكلما تكلم أحدهم من حولي شعرت وكأنه يشدني منهما، فأسمع طنينًا وضربًا يكاد يقلع رأسي من مكانه..

 

كانت الأيام تمر لتؤكد لي بأني خسرت.. نعم خسرت سمائي الهادئة، خسرت الوسائد الغيميّـة البيضاء التي كانت تغافل الليل وتهبط لأنام عليها ثم ترتفع بي نحو الفضاء الشاسع لأستمتع بغناء النجوم... خسرت الوجه الذي كان يمنحني السلام والطمأنينة، وكنت كلما نظرت إليه تساقطت بين يديّ مشتقات الأزرق والأبيض والزهريّ... لقد رحلت أمي وأخذت ألوانها السماوية معها... خسرت اليدين اللتين كانتا تعيدان نسج قصصي بخيوط رقيقة تنساب مع أحلامي... أمي زليخة رحلت بصمت... بهدوء يشبهها وحدها.. ترى هل صرخت حين انقلبت السيارة؟. أما أنها تماسكت ولَم تفتح فمها كعادتها لأن خوفها من أبي أكبر من خوفها من الموت؟

 

أنا اليوم يا أمي ألوم نفسي على لحظات كنت فيها أكثر قربًا لجدتي رقية.. فأنا أحب جدتي بشدة، ولكنـي أعتـرف بأنهـا استطاعـت أن تسحبني منك بسلاسة مثلما كنت أنت تسحبين الخيوط من الإبرة لتأكدي وحدتها..

 

لا أعرف ربما الأعراف والتقاليد منحت جدتي القوة والسطوة لتدير حياتنا جميعًا...

 

كيف رحلت يا أبي دون أن تخبرني ما سبب قسوتك على أمي؟ أهي مجرد طباع؟ أم لأنها لم تنجب لك ولجدتي أخي محمد؟ كم سأشتاق لحمل البيت الوديع والفرح الهادئ الذي كانت تفوح بهتنهيداتك ويراقص أنفاسك ليغمر حي السويقة وأهله.

 

سأشتاق لك يا أبي سالم على الرغم من قسوتك على أمي التي كانت تحبطني.. اليوم يا أبي تدحرجت الصخرة التي كانت تحمي باب الدار... أكاد أسمع بكاء محل الألبسة التقليدية.. فهو الآخر يشعر باليتم مثلي تمامًا... ولن يجد من يغسل وجهه ليغري بأزيائه المعلقة المارة في أروقة الحي...

 

لم تعد صينية الصباح تلمع سوى بدموع جدتي المعلقة عليها، والتي تفتقدك بشدة..

 

عندما صحوت من غيبوبتي أصرت السيدة كليونا أن أعود إلى الفيلا.. وأعطت جدتي مبلغًا من المال يكفيها وأخوتي لمدة سنة كاملة على الأقل.. وقالت لها بأنها تستطيع زيارتي مع أخواتي كلما رغبت بذلك. وبأنها ستطلب من السائق أن يصحبني إلى الحي حين تتحسن صحتي لزيارتهم..

 

عدت إلى الفيلا وقد خصّصت لي السيدة كليوناغرفة قريبة من غرفتها.. ما كنت أحلم أن أنام فيها طوال حياتي...

 

كنت أستعيد صور أبي وأمي، وأبكي ساعات طويلة حتى جفت دموعي، ولَم يعد بوسعي البكاء...

 

جاء تقي الدين لزيارتي في الفيلا لأنه لم يكن يستطيع رؤيتي في المستشفى بسبب وجود جدتي رقية التي لم تنسها حرقتها على أبي وأمي كرهها لتقي الدين..

 

جلس بقربي ولكني كنت تائهة عنه.. كنت أعرف بأني أحبه ولكن مشاعري تجاهه كانت تائهة في مكان ما لا أعرفه...

 

شعرت أن بيني وبينه سماء كانت زرقاء وكانت تمطر الحنين... كانت تعوم فيها غيمات مرهفة تُهبط في الليل وسائد صغيرة تشبه وسائد أمي... بيني وبينه كانت هناك سماء وكم كنت أحبها.. وحين أصلي كانت تمطر دموعًا دافئة... أين هي هذه السماء لم أعد أراها فكيف لي أن أراه؟

 

فقدت شهيّتي على الكلام، وكنت أنظر إليه فقط بنظرات تائهة... وكنت أعلم أنه كان خائفًا من خسارتي لأني أنا أيضًا بدأت أشعر بها... وكأن الفقد كالقطار يجر بعضه بعضًا... كأني أردت أن أتخلى عن الجميع مرة واحدة كي يكون الوجع واحدًا.. كي لا أتألم على دفعات...

 

بقينا أنا وتقي الدين على هذه الحال التي تشبه حلقة مفرغة.. يأتي ليزورني نجلس معًا يتكلم أبتسم له ولا أجيب.. كان يحاول في كل مرة أن يوقظ المشاعر التي أخمدتها صدمة خسارة أبي وأمي...

 

كان يمسك بيدي وينظر في عينيّ ويعيد تلاوة الذكريات كما تتلى الصلوات بحرقة ورجاء ومحبة وأمل... يتلوها ذكرى... ذكرى علني أعيشها معه من جديد...

 

يخبرني عن لقاءاتنا في حقل لبريش.. عن الفراشاتالتي كانت تحمل نبضنا وتطير به لتلقي التحية على الورود الناعسة من حموّ نثرته الشمس حولها... ذكرني كيف التقطت مرة فراشة صغيرة وقبلتها ثم تركتها تطير بالقبلة كي تطبعها فوق شفتيه..

 

قلت له يومها: رسولتي البيضاء الصغيرة تحمل لك كلمة ستهبط بها فوق فمك...

 

قال لي إني أشبه فراشتي الصغيرة وإني مثلها أثير كل أخضر غائب عن الطبيعة وأحفزه على العودة نديًا... فلا أحد سواه يرى كيف ينبت العشب طريًا من بين خطواتي الرشيقة التي تغازل الورود... وقال لي: لا تحجبي ابتسامتك الربيعية فكم شرفة حمراء جورية زقزقت ضاحكة لأجلها... فيا نور جلالمحياك حين أقترب منك يشبه خجل الشمس الغارقة في حضن البحر ساعة الغروب.... لمَ الصمتُ يا بايا؟ عودي لي كما عهدتك مهدًا شذيًا للأزهار والورود...عودي لي احتفالًا بمواسم ربيع مضت وأخرى ستأتي فقط إن ابتسمت من جديد...

 

كنت أحاول أن أعود تدريجيًا للحياة رغم الإحباطات الكثيرة وغياب أبي وأمي، وعدم قدرة تقي الدين على إيجاد عمل جيد يكفي لإنشاء أسرة.. فمرتبي بكامله لم يكن يكفي أقساطًا مدرسية لأخواتي الثلاثة... ولولا دعم السيدة كليونا التي كانت توشك على الرحيل مع زوجها إلى الإمارات لما استطعت أن أبقيهن في مدارسهن الخاصة، فقد اكتشفت بعد موت أبي ديونًا متراكمة دفعتنا لبيع محل الألبسة لنوفي بها أصحابها.

 

وما زلت أذكر حتى يومنا هذا أصغر تفاصيل اليوم الأسود.. ذاك اليوم الذي ذهبت فيه لزيارة جدتي مع السيدة كليونا لكي تقنعها بتقي الدين كما سبق ووعدتني قبل موت أبي وأمي.. ولكن ما إن دخلنا حتى سمعنا بكاءً ونواحًا كثيرًا، ووجدنا جدتي جثة هامدة على الأرض ونساء الحي يندبنها ويبكين بصوت تشقق له صدري وانفرط فوقها... ضعت تمامًا... كيف تموت جدتي؟

 

كيف يموت الشعر الذي يسقط لأجله المطر؟ وهل تموت اليدان اللتان كانتا تلاعبان أرواح الورود وتسقطها في المياه؟

 

كيف ترحل تلك التي كانت تعرف أسرار الوديان وتسمع أحاديث الرياح المتبادلة في المدينة؟

 

جدتي وجه الخير والعطاء أغلقت عينيها... اليوم خانتني السماء من جديد...

 

كنت أعرف أني أحب جدتي ولكني لم أكن أعرف أن الموت يضيء الحب هكذا...

 

كنت أنظر إلى وجهها إلى تجاعيدها المقدسة، إلى شعرها الأبيض الطاهر الذي نادرًا ما كنت أراه بسبب الطرحة التي كانت تلقيها فوق رأسها وشعرت أن سيرتا وقعت... مدينتي سقطت مرة واحدة... جسورها انهارت.. لا شيء… لا شيء بقي مـن مدينتي... وشعرت برغبة جامحة بالهروب بعيدًا حافية عارية وحيدة...

 

بعد موت جدتي بقيت أسبوعين كاملين لا أخرج من غرفتي في الفيلا حتى أني لم أسأل عن أخواتي اللواتي بقين في دار الخالة نوارة... نسيتهن أو نسيت نفسي كما تنسى ورقة خريفية صفراء عند ناصية الطريق... لم يخطرن في بالي... فقط وددت أن أبقى وحيدة مع جدتي وذكرياتها.. لم أكن أرغب أن يشاطرنا أحد أيامًا أحاول استعادتها فيها رغم أنف الموت... كان وجهها حاضرًا وصوتها يحتل المكان.. كنت أغمض عينيّ فأشم رائحة طعامها؛ الكسكس والتختوخة والرفيس القسنطيني، وشباح الصفرة.. رأيتها أمامي تعود لتمد ولائمها في أطباق كبيرة خضراء على طبليات مدورة على الأرض ثم تدعو جاراتها للاحتفال معها بموسم تفتح الأزهار والورود وعودة العصافير إلى فضاء المدينة... كانت جدتي تختار اللون الأخضر للأطباق لأنـه حسـب اعتقادهـا يجدد العهد بينهـا وبين أحبائها... وكانت توزع عليهن البقلاوة والقطايف وطمينة اللوز التي كانت تسهر مع أمي لتحضيرها.. ولكن جدتي رحلت وتمردت على موتها الولائم والحلويات.. حتى الربيع الذي كانت تمجد حضوره لم يكن وفيًا لغيابها فقد جدد ألوانه الزاهية ولَم يحد عليها ولا ليوم واحد...

 

عادت إليّ أيام رمضان والأجواء العائلية الجميلةالدافئة السعيدة التي كانت تحرص جدتي أن لا تفارق جدران البيت طيلة الشهر.. كانت تطلب من والدي قبل بداية الشهر الكريم من كل سنة طلاء البيت باللون الأبيض، وتحرص على تزيينه بالأضواء الملونة والفوانيس الرمضانية بأحجامها المختلفة، وتنظف الدار جيدًا،وتطهّر الغرف والفرش، وتعطرالمخدات، كما كانت تجهز أغطية الطبليات التي طرزتها أمي، وتكويها وترشها بماء الورد..

 

كانت تخرج الأواني الخاصة برمضان من العليةتغسلها جيدًا وتصفها على طاولة في المطبخ، وتشتريالمونة والبهارات على أنواعها والتوابل الحارة استعدادًاللشهر الفضيل... وحين يبدأ رمضان تلازم المطبخ من الصباح حتى وقت الإفطار تجهز لنا المأكولات التي تسكب فيها من روحها...

 

هذه جدتي رقية فيض الحب الذي يبقى حيًّا في داخلي... لا أعرف كيف أكمل حياتي من بعدها... كانت عزائي الوحيد بعد فقدان أبي وأمي.. كانت قوتي وصبري وطعم الفرح والأصالة... أشعر أن ما من شيء يربطني بعدها بمدينة الجسور.. رحلت وأخذت معها ذكريات طفولتي ورائحة أمي وأبي والمطر..

 

دخلت السيدة كليونا غرفتي وجلست إلى جانبيعلى السرير وقالت:

 

- ​إلى متى يـا بـايـا ستبقين على هذه الحال؟ من نحبهم لا يموتون.. جدتك حية فيك وكذلـك والدتك ووالدك، وسيأتي يـوم نذهب كلنا إليهم.. الآن عليك التفكير في مستقبلك. ماذا قررت بالنسبة لعلاقتك بتقي الدين؟

 

- ​مولاتـي أشعـر بـالضياع.. أعترف أني أحب تقي الدين، ولكني وعدت جدتي قبل موتها أن لا أرتبط به... لو كانت حية ربما لجاء يوم وأقنعتها أنت به، ولكن الآن كيف أخون وعدي لها.. كم أتمنى لو استطعت الابتعاد عن سيرتا ولو ليوم واحد فذكريات عائلتي تطاردني وتعذبني... أتمنى لو كان بإمكاني أَن أبدأ في بلد آخر بداية جديدة..

 

- طيب جاءتني فكرة جميلة.. لمَ لا تسافرين إلى لندن كسائحة لمدة عشرة أيام وتتركين أخواتك عند الجارة نوارة.. أختي مارغريت تسكن في منطقة جميلة يمكنك أن تقيمي في منزلها.. هكذا تفكرين جيدًا بمستقبلك بعيدًا عن كل الضغـوط.. ربـما تعجبك مدينتي وتقرري البقاء فيها أو العودة إلى قسنطينة وفِـي شتى الحالتين،سأدعمك.

سأطلب من اللورد سيمون أن يساعدك في طلب الفيزا،ونقوم بكفالتك كما سأعطيك مبلغًا يكفيك خلال الزيارة. أما أنا فقررت أن أؤجل سفري إلى الإمارات، وأبقى شهرين إضافيين حتى أطمئن عليك.. فما رأيك؟ قفزت من مكاني وضممتها بشدة وقبلتها..


اضف تعليق
عدد التعليقات :0
* الاسم الكامل
البريد الالكتروني
الحماية
* كود الحماية
البلد
هام جدا ادارة الموقع تحتفظ لنفسها الحق لالغاء التعليق او حذف بعض الكلمات منه في حال كانت المشاركة غير اخلاقية ولا تتماشى مع شروط الاستعمال. نرجو منكم الحفاظ على مستوى مشاركة رفيع.
مواضيع متعلقه
رواية جسور الحب / الفصل الأول  مدينة الجسور المعلقة... رواية جسور الحب / الفصل الأول مدينة الجسور المعلقة... جسور الحب… برج غرينفيل / مريم مشتاوي جسور الحب… برج غرينفيل / مريم مشتاوي
تعليقات
Copyright © mariammichtawi.com 2011-2022 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع مريم مشتاوي
Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com