سيرة ذاتية
روايات
مقالات
حوارات
اخبار مريم مشتاوي
جاليري مريم مشتاوي
اصدارات
شعر مريم مشتاوي






نشاطات - مهرجانات

29/04/2019 - 07:20:07 pm
ندوة في لندن ناقشت الواقع والخيال في روايات أمير تاج السر
عدنان حسين أحمد

ضيّف «الصالون الثقافي» في لندن الروائي السوداني أمير تاج السر، الذي وزّع حياته منذ ثلاثة عقود بين الأدب والطب، وأنجز أكثر من عشرين رواية وصلت اثنتان منها إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية، وهما «صائد اليرقات» 2011 و «زهور تأكلها النار» 2018، كما فازت رواية «366» بجائزة «كتارا» لفئة الروايات المنشورة عام 2015. وقد تُرجمت بعض رواياته إلى الإنكليزية والفرنسية والإيطالية والبولندية والصينية، لتجعل منه كاتبًا معروفًا على الصعيد العالمي، وهو الروائي المستغرِق في محليته. وبغية تسليط الضوء على جانب من تجربته الروائية ارتأينا في هذه الندوة الاحتفائية أن نتوقف عند روايتي «صائد اليرقات» و»العطر الفرنسي»، لأنهما تعتمدان على البطل الشعبي، واللغة الشعرية، والواقعية السحرية التي تجنح إلى الخيال العجائبي.

 

تعتمد رواية «صائد اليرقات» على نتوء واقعي، لكن فعل الخيال يذهب أبعد من حدود الواقع. فإذا كان بائع الورد، والإسكافي الفقير، والمومس التائبة يكتبون نصوصًا روائية فما الذي يمنع عبدالله فرفار، رجل الأمن المتقاعد من  أن يحذو حذوهم ويكتب روايته الخاصة التي باتت تؤرقه ليل نهار، طالما أنه يتوفر على تجربة حياتية تؤهله لكتابة نص إبداعي يحفِّز الآخرين على قراءته، والاستمتاع به؟

 

يلتقي عبدالله فرفار في «قصر الجمّيز» بـ»أ. ت» وهو كاتب معروف يتحلّق حوله عدد من الكُتّاب الشباب الذين يعتبرونه رمزًا ثقافيًا كبيرًا في البلاد. وقد صدرت له روايات مهمة من بينها «على سريري ماتت إيفا» التي وصفتها إحداهن بأن الجن قد شارك في كتابتها! وهو يكتب رواياته في أماكن مختلفة وقد طلب منه فرفار أن يساعده في كيفية الدخول إلى عالم الرواية وكتابة موضوعها.

 

تغيرت معاملة الناس لعبدالله فرفار بعد أن أُحيل إلى التقاعد إثر مهمة رسمية مات فيها السائق، وفَقدَ هو ساقه اليمنى، فيما أصيب زميله الآخر بالشلل الرعّاش، وفقدان الذاكرة. حين قرأ ما كتبهُ للروائي المعروف «أ. ت» أجابه الأخير بصراحة تامة قائلاً: «إن ما قرأته ليس بداية رواية، وإنما تقرير أمني»، ثم مضى أبعد من ذلك حين شبّه كتابته بـ»اليرقة التي لن تنمو إلى شرنقة» شارحًا له الأطوار الأربعة لنمو الحشرة. وهذا التقرير الأمني الذي كتبهُ هو مجرد يرقة ميتة خرجت من ذهنه!

 

يركز فرفار على شخصيات يعرفها جيدًا مثل زوج عمته المدلِّك، الذي فكّر في أن يجعله محورًا لروايته المُرتقبة، أو المشجِّع حفار القبور. تحدث الانعطافة الأولى في الرواية حين تفتح مديرية الأمن ملفًا جديدًا لعبدالله فرفار، ليس بصفته القديمة كرجل أمن ولكن بصفته الجديدة كمثقف مشبوه يجب أن يُتابَع بدقة. فجأة يختفي الروائي «أ.ت» لمدة خمسة عشر يومًا فخشي فرفار أن يكون سبب اختفائه هو سرقته لشخصية زوج عمته المدلِّك. فيما تحدث الانعطافة الثانية حين يتصل به مسؤوله الأمني ويخبره بأنه قد أُعيد إلى الخدمة الممتازة، وقد تمّت ترقيته، وعُدلت رتبتهُ. حين ظهر الكاتب «أ.ت» من جديد تبيّن أنه قد أنجز رواية جديدة لم تكن شخصيتها الرئيسة عن المدلِّك، زوج عمة فرفار، وإنما عن شخصية فرفار نفسه، فهو الذي أوحى له بفكرة الرواية: «لقد ظهرت في حياتي فجأة، وتصادقنا بسرعة غريبة، وكنتُ في كل يوم أجد في شخصيتك دافعًا لكتابتها، أنت شخصية روايتي الجديدة يا فرفار».

 

أما الانعطافة الثالثة والأكثر أهمية أن الكاتب «أ.ت» خاطب فرفار قائلاً: «لا تغضب مني يا فرفار حين ترى في نهاية الرواية أنني جعلتك تعود مرة أخرى إلى الخدمة، وتندس في وسط الذين عرفوك كاتبًا ومُحبًا للكتابة لتدوِّن التقارير عنهم. هذه ليست الحقيقة كما تعلم». لابد من الإشارة إلى اللحظة التنويرية التي يشعر بها فرفار حين يلمح على الصفحة الأولى من المغلّف الأبيض الذي منحه للكاتب «أ.ت» عبارة «صائد اليرقات» المكتوبة بخط أسود أنيق دفعته لأن يقف على حافة الانهيار، لأنه لا يعدو أن يكون مجرد صائد يرقات لا غير!

 

أمّا الرواية الثانية فهي  «العطر الفرنسي» التي تتمحور على شخصية واقعية أيضًا وهي كاتيا كادويلي، التي عملت ممرضة مع الدكتور أمير تاج السرّ في شرق السودان، لكن مخيلته الروائية جعلت منها زوجة موهومة أو متخيّلة لعلي جرجار، الذي يعمل مراقبًا لصيانة القاطرات. أطلق جرجار صيحة تنادي بحرية التخيّل لدى الناس. تقوم هذه العلاقة العاطفية على إشاعة تؤكد مقدم السيدة كاتيا كادويلي، الممرضة الفرنسية التي تحلّ ضيفة عزيزة على شخصيات مهمة في زيمبابوي، وغينيا بيساو قبل أن تصل إلى حي «غايب» الشعبي، وفي أثناء انتظارها المحموم، يؤجر لها غرفة ذات تهوية جيدة، كما يطلي البيت باللون الأزرق الذي تحبه، فقد عرف من أيمن داوود الحضاري، أنها تحب الملابس الزرقاء، وأحاطنا علمًا بأنها مطلّقة، وليس لها صديق جديد. لم يعد جرجار يفكر بأي امرأة أخرى سوى كاتيا «فهي موجودة في دمه، وفي بيته». تكمن اللعبة الفنية في قناعة جرجار بأن كاتيا موجودة على أرض الواقع وهي ليست وهمًا أو شبحًا، وإنما كائن بشري من لحم ودم فلا غرابة أن يعقد قرانه عليها ويتزوجها، بحضور رجل دين وشاهدين كما تقتضي الأصول، وقد بارك له الأصدقاء والمعارف هذه الزيجة. لعل أجمل ما في هذه الرواية هو قدرة جرجار على الولوج في الوهم إلى أقصى مدىً كأن يقول: «نهضت مهرولاً لألحق بكاتيا وأنا أتمنى أن يكون قد زال صداعها وإرهاقها، وتزيّنت لعناقي»، أو أن يذهب إلى صاحب البقّالة «عركي» ويخبره بأن زوجته كاتيا تطلب منه أن يشتري لها عدة حاجات» فيجيبه «عركي»: أين هي كاتيا يا رجل، هل جننت؟». ما يمنح الرواية نكهة خاصة أن جرجار يصدّق وهمه، حتى أنه كان يلتفت إلى الخلف في سيارة التاكسي ويحدثها وسط استغراب السائق ودهشته. وحينما يذهب إلى حليمة المرضعة، قارئة الكفّ والمصائر، تخبره بأن زوجته حامل وأنّ القادم الجديد في الطريق إليهما، فيلتمس من زوجته قائلاً:»لا تحملي أشياء ثقيلة حتى تضعي حملك». فلا غرابة أن يأتي معظم سكان الحي إلى منزل جرجار وهم محمّلون بالهدايا مثل أيمن الحضاري، وسوكارنو النبوي، والأمني موسى خاطر. وأكثر من ذلك فإن أيمن قرأ خبرًا نشرته إحدى الصحف الأوروبية مفاده، أن النجمة الممرضة كاتيا الملاك قد تخلت عن كل ألقابها الإفريقية، وتزوجت برجل جذّاب في بلاد أخرى، ولقّبها بكاتيا العسل، وهي سعيدة بالرجل واللقب على حد سواء. وتأكيدًا لأوهامه الكثيرة فإن جرجار يغار عليها من سوكارنو النبوي، والدكتور أحمد سيف، والعمدة، وغباشي الجزّار، والمشرّد كنكل، والأمني موسى خاطر، والدسوقي صاحب كشك الأغنيات المسروقة، وشرطي المرور عوض الله كوّة، وكل منْ يتطلع إلى معالمها الفاتنة، وعندما تتفاقم نيران الغيرة في أعماقه يمنعها من الخروج من المنزل. وبما أن التوتر بلغ أقصاه فقد ضرب البقال عركي، وجرح كنكل بالسكين، وذبح واحدًا من عائلة الجن آل مسيكة أمام الناس، وحينما عاد إلى البيت غرس السكين في أحشاء كاتيا وكأننا، نحن القرّاء، نراها بأم أعيننا. جدير ذكره أن هذه الأمسية الافتتاحية هي أولى أماسي الصالون الثقافي في موسمه الجديد، وقد ساهمت فيها الصحفيتان السودانيتان جدية عثمان، وهنادي عثمان، والزميل عدنان حسين أحمد، فيما قدّمت الأمسية وأدارتها الشاعرة والروائية السورية مريم مشتاوي.

 


اضف تعليق
عدد التعليقات :0
* الاسم الكامل
البريد الالكتروني
الحماية
* كود الحماية
البلد
هام جدا ادارة الموقع تحتفظ لنفسها الحق لالغاء التعليق او حذف بعض الكلمات منه في حال كانت المشاركة غير اخلاقية ولا تتماشى مع شروط الاستعمال. نرجو منكم الحفاظ على مستوى مشاركة رفيع.
مواضيع متعلقه
ندوة في لندن ناقشت الواقع والخيال في روايات أمير تاج السر ندوة في لندن ناقشت الواقع والخيال في روايات أمير تاج السر اختتمت مريم مشتاوي زيارتها لتونس بفعالية لطلاب مدرسة... اختتمت مريم مشتاوي زيارتها لتونس بفعالية لطلاب مدرسة... مريم مشتاوي تشارك وتُكرم في بيت الشعر في القيروان -تونس مريم مشتاوي تشارك وتُكرم في بيت الشعر في القيروان -تونس الاديبة مريم مشتاوي ضيفة  مهرجان المقرن الثقافي-الخرطوم الاديبة مريم مشتاوي ضيفة مهرجان المقرن الثقافي-الخرطوم المشتاوي في زيارة  للسودان: سأشارك في فعاليات ثقافية... المشتاوي في زيارة للسودان: سأشارك في فعاليات ثقافية...
تعليقات
Copyright © mariammichtawi.com 2011-2022 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع مريم مشتاوي
Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com